-->

في الكويت ‘بلاد العجائب'.. يصبح الفقر ميزة


في الكويت ‘بلاد العجائب'.. يصبح الفقر ميزة


قراءة في رواية "ساق البامبو" للكاتب سعود السنعوسي


أعتقد أن الكاتب الشاب يملك قدرا كبيرا من الذكاء ليدرك أن ما سيشق به طريقه الى العالمية هو جعل البطل الفلبيني –الكويتي يحكي قصته عن الكويت كغريب، وبجعل الراوي هو البطل نفسه بضمير 'انا' لتصلنا معاناته وغربته بصوته هو، فتكون أكثر مصداقية مما لو حكاها الكاتب بضمير 'هو' عن البطل.


ولكن برأيي ما يجعل الكاتب يستحق احترامنا هو أكثر عمقا من ذلك، انها انسانيته التي جعلته ينقل لنا رأي ومشاعر الطرف الآخر الذي لطالما تجاهلناه: من منا فكر يوما بالخادمة الفلبينية في بيت كويتي أكثر من كونها خادمة وكأنها مجرد شيء مثل سيارة او ثلاجة او مكنسة كهربائية تقوم بالدور الذي وجدت لأجله؟ من منا فكر للحظة ان وراء مهنتها كخادمة هي حياة كاملة ببؤسها وفقرها ومعاناتها، والكثير من الاحلام والطموح الذي هانت لأجله غربتها عن أهلها ووطنها وجميل عاداتها؟ من منا فكر بأنها مثلنا جميعا لها قلب ومشاعر وتحلم بحياة أفضل؟ بل من منا فكر أن ما ينتج عن زواج كويتي بخادمة فلبينية هو حياة شخص بلا هوية واضحة المعالم: " لو انهما اتفقا على شيء واحد... شيء واحد فقط ... بدلا من أن يتركاني وحيدا أتخبط في طريق طويلة باحثا عن هوية واضحة الملامح.. اسم واحد التفت لمن يناديني به.. وطن واحد أولد به، أحفظ نشيده، وأرسم على اشجاره وشوارعه ذكرياتي قبل أن أرقد مطمئنا في ترابه.. دين واحد أؤمن به بدلا من تنصيب نفسي نبيا لدين لا يخص أحدا سواي." ص 63


ان مسألة الهوية التي طرحها الكاتب في روايته تكمن وراءها البنية المعقدة للمجتمعات العربية، فمشكلة الهوية لم تكن تمس 'هوزيه' وحده الذي ولد لاب كويتي وأم فلبينية، بل انها شملت أيضا 'غسان' الكويتي أبا وأما واجدادا، فقط لكونه ابن غير شرعي. هذا المجتمع الذي كما وصفه 'هوزيه': "كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى، وان اضطرت لخلقها، تعلو فوق أكتافها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تسببه الطبقة الأعلى فوق اكتافها هي الأخرى... تذكرت الفلبين. ترى لو كانت الحياة في بلاد امي بالسهولة التي عليها في بلاد أبي، هل سيتفرغ الناس لهذه التصنيفات. هل يكون للفقر ميزة لم نشعر بها؟" ص 279
نعم.. في مثل هذه المجتمعات 'الطبقية' يصبح الفقر ميزة لأنه حينها يجعلك متساويا بين الناس الذين هم في مثل حالتك، محبوبا بنظرهم لما تملكه من صفات جيدة وليس بحجم رصيدك في البنك، يجعلك قادرا على معرفة وتقدير الأشياء الأهم في حياتك 'كالعائلة' بدل احاطة نفسك بالرفاهية التي تحجب عنك معاني الحياة: " في بلاد أمي كنت لا املك شيئا سوى العائلة. في بلاد أبي أملك كل شيء سوى.. عائلة " ص 303
وليس الفقر وحده الميزة التي تحصل عليها حين لا تكون جزءا من هذه المجتمعات الطبقية، بل ان المكانة العادية بين الناس تمنحك كامل حريتك، "فالميزات التي يمنحها اسم العائلة ما هي في الحقيقة، الا قيود وقائمة طويلة من الممنوعات" ص 348. وهذا يذكرني برواية 'الرجل الخفي' لامرسون، وهي تحكي قصة رجل اسود يعيش وسط مجتمع عنصري حيث لا يراه ولا يحس بوجوده أحد، لذلك كان يملك الحرية لفعل أي شيء لدرجة ان يقتل دون ان يلاحظه أحد.
وبما ان تعقيدات المجتمعات العربية أكبر من يوجد لها حلول ولو مقترحات حتى في نهاية رواية –ولو كانت تصور الواقع-من نسج الخيال، فان الكاتب رأى في النهاية ان الأفضل لهوزيه أن يعود الى الفلبين، وطنه الام، فالوطن لا يوجد أين ولدنا، ولكنه موجود في قلوب الناس الذين يحملون لك الحب والاحترام لما انت عليه، هناك هو انتماؤك الحقيقي...


مقتطفات من الرواية


" لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها. نقتطع جزءا من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض.. لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. في أرض جديدة.. بلا ماض.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت الى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت..أو بامبو في أماكن أخرى." ص 94
" كنت اذا ما انبهرت لمشاهدة اعلان لسيارة باهظة الثمن، تقول والدتي : "ستحصل على واحدة مثلها يوما ما.. اذا ما عدت للكويت"، و اذا ما أشرت نحو شيء في السوق لا تستطيع أمي شراءه، تقول: "في الكويت.. هناك .. سيشتري لك راشد واحد مثله". كنت أتخيلني مثل آليس/ أتبع وعود أمي بدلا من الأرنب، لأسقط في حفرة تفضي الى الكويت.. بلاد العجائب.. أقنعتني أمي أننا نعيش في الجحيم، وأن الكويت هي الجنة التي أستحق." ص 71
" أنت تعرف أنك تنتمي الى عائلة الطاروف، و لكن ، هل تعرف ماذا تعني كلمة طاروف؟ لست أنتظر منك إجابة على هكذا سؤال. فهي كلطة كويتية صرفة، يكاد الكثير لا يعرف لها معنى. الطاروف شبكة يستخدمها الكويتيون لصيد السمك. تثبت في البحر كشبكة كرة الطائرة، تعلق فيها الأسماك الكبيرة عند المرور بها. و نحن، افراد العائلة، عالقون بهذا الطاروف، عالقون بايم عائلتنا، لا نستطيع تحرير انفسنا منه. و ليس باستطاعتنا الحركة الا بمقدار ما تسمح لنا به هذه الشبكة. انت الوحيد يا عيسى، سمكة صغيرة، قادرة على الولوج في فتحات الطاروف من دون أن تعلق في خيوط الشفافة..عيسى..أنت محظوظ..أنت حر.." 349

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق