الطلاق وآثاره علي الزوجين والمجتمع والأبناء

0
Advertisements
الطلاق وآثاره علي الزوجين والمجتمع والأبناء

مما لاشك فيه أن الدين الاسلامي قد جعل الطلاق في أضيق الحدود، وفي حالة استحالة العشرة بين الزوجين، وبما لا تستقيم معه الحياة الزوجية، وصعوبة العلاج إلا به وحتى يكون مخرجاً من الضيق وفرجاً من الشدة في زوجية لم تحقق ما أراده الله – سبحانه وتعالى- لها من مقاصد الزواج التي تقوم على المودة والسكن النفسي والتعاون في الحياة.

كما أن الطلاق ظاهرة عامة وموجودة في كل المجتمعات وبنسب متفاوتة وهو أمر عرفته البشرية من قديم الزمان، وكانت له طرق وأشكال تختلف من بيئة إلى بيئة، ومن عصر إلى عصر، وقد أقرّته جميع الأديان كلٌ بطريقته، كما عرفته عرب الجاهلية لأنه كان شريعة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام -، ففي حديث البخاري أن سيدنا إبراهيم – عليه السلام- قال لزوجة ولده إسماعيل التي شكت حاله قولي له: يغير عتبة داره، ففهم إسماعيل من ذلك أنه ينصحه بطلاقها، فطلقها .

لا خلاف ايضا على ان الطلاق صدمة قوية تحدث شرخ وتصدع فى كيان الاسرة التى تعد مكون اساسى من مكونات المجتمع وبالتالى فإن الطلاق لا يؤثر سلبا فقط على الازواج بل يؤثر فى الاسرة والابناء والمجتمع ككل .

الطلاق وآثاره علي الزوجين والمجتمع والأبناء

أولاً: معنى الطلاق


 الطلاق لغة والإطلاق تعني: رفع وحل القيد سواء كان معنوياً كما في المرأة أو حسياً كما في غيرها، تقول أطلقت البعير من عقاله، وأطلقت لك التصرف في مالي والمرافعة عني

 اصطلاحا” رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص ونحوه، فالذي يرفع قيد النكاح في الحال هو الطلاق البائن، والذي يرفعه في المآل هو الرجعي بعد انقضاء العدة، أو بعد انضمام طلقتين إلى الأولى

يعرف الطلاق “بأنّه إنهاء الزواج بطريقة قانونيّة، ويتمّ في المحاكم عن طريق عرض القضيّة على القضاء وليس فقط انفصالاً علنيّاً بين الزوجين؛ وذلك بسبب عدّة أسباب تكون خاصّة بهما، وقد يقرّر الطلاق كلا الطرفين أو أحدهما، وعلى من يريد الطلاق الإدلاء بالأدلّة لدى المحكمة من أجل الحصول على ما يريده، ومن ثمّ تقوم المحكمة بالنظر في الأمر من أجل إصدار الحكم النهائي

ثانياً: حكمة ومشروعية الطلاق



إن من يظن أن الإسلام أباح الطلاق مطلقاً بلا ضوابط وفتح للناس الأبواب على مصراعيها في الطلاق فقد أخطأ وتجنى على هذا الدين، وإن من يظن أيضاً بأن الإسلام قد حجر الطلاق ومنعه وقيده بغير الطرق الشرعية اعتقاداً منه إن ذلك عمل إنساني وأنه في صالح المرأة، فهو أيضاً جاهل في هذا الدين، بل إن العدل هو الذي جاء به الدين الإسلامي بلا إفراط ولا تفريط.

ومما لاشك فيه أن الطلاق هو عملية هدم لبناء الأسرة وقد يأتي هذا الهدم عند بداية الطريق وعند وضع الأساس للحياة الزوجية أي قبل الدخول، أو قد يأتي متأخراً بعد اكتمال البناء لهذه الحياة وتولد الأولاد وكثرة أعباء الزواج، ولكن مع إقرارنا بذلك إلا أنه في الإسلام هدم منظم يحافظ على اللبنة، فينقلها من مكان إلى مكان آخر أكثر تلاؤماً دون كسرها أو إهمالها.

ومع أن الدين الإسلامي يحرص حرصاً شديداً لبقاء العلاقة الزوجية وحث على ذلك حتى مع تحقيق أقل عناصرها كمال قال الرسول – صلى الله عليه وسلم-: “لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها الآخر“، و”الفرك” بفتح الفاء والراء هو الكراهية والإبعاد، بل قال الله تعالى: ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً).

ومع ذلك، فإن الأمر يصل أحياناً مع الاختلاف وعدم إمكان الإصلاح إلى القطيعة والشر، ثم الكراهية والعناد، وقد يصل ذلك إلى المضارة والإفساد وعدم قيام كل منهما بما يجب عليه نحو الآخر، وبذلك يتحول الزواج بعدما كان طريقاً إلى مرضاة الله والسعادة في الدنيا ليكون طريقاً إلى سخط الله. من هنا كان الطلاق ضرورة إنسانية تحتمها الفطرة البشرية ويقتضيها الإصلاح الاجتماعي وذلك لزوجين ظناً أن يعيشا في سعادة فأقدما على الزواج اختياراً ثم اكتشفا أنهما كانا مخطئين وأنه يستحيل بقائهما إلى الأبد زوجين.
وإن الحكمة من تشريع الطلاق توفر الراحة لكلا الزوجين وضمان أداء الأسرة لواجبها الاجتماعي والإنساني كما قال الله تعالى: ( وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته )، ومن هذه الحكمة التشريعية للطلاق ومن تلك الضرورات هي:

– اختلاف الطبائع بين الزوجين وتباين الأخلاق وقد يطلع أحدهم على طبع أو خلق سيء وشاذ في الآخر مما لا يتحقق معه التواد والتراحم والسكن المنشود في الزواج، وقد يكون الزوج سيء العشرة خشن المعاملة أو تكون هي معوجة السلوك لا يستطاع تقويمها ولم يفلح التوفيق على ضوء قوله تعالى: ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً).

–  قد يصاب أحد الزوجين بالعقم، فينهدم بذلك أسمى أهداف الزواج ومقاصده، أو قد يصاب أحد الزوجين بمرض عضال يعجز الطب عن علاجه ولا يقوى الآخر على احتماله لذلك فأن الشريعة الإسلامية تتسم بالواقعية حيال هذه الطوارئ، فلو أبقت على الزواج ومنعت الطلاق لضمدت الجرح على فساد، وثبتت الداء في معدنه، وأفسحت المجال للكيد والمكر بين الزوجين، فيستشري بذلك الفساد في المجتمع وتعم الرذيلة، فكان الحل بالفراق علاجاً لهذه المحاذير التي لا يقضى عليها إلا به، وفي هذا يقول “الموصلي” من فقهاء الحنفية: “لأن مصالح النكاح قد تنقلب مفاسد والتوافق بين الزوجين قد يصير تنافراً، فالبقاء على النكاح حينئذٍ، يشتمل على مفاسد، من التباغض والعداوة والمقت وغير ذلك، فشرع الطلاق دفعاً لهذه المفاسد“.



–  إذا كان الزوج معسراً غير مستطيع للإنفاق على زوجته خصوصاً إذا لم يكن للمرأة مصدراً أو مورداً غير هذه النفقة.

– الشارع الحكيم جعل للزوجة الحق في طلب الطلاق من القضاء إذا لم تجد سعادتها في هذه الزيجة وحدد لذلك حدوداً وأسباباً، فمنها مثلاً ما تضمنه قانون حقوق العائلة الفلسطيني رقم (303) الصادر سنة 1954م في المواد من (84-102) والذي أجاز فيه للزوجة طلب الطلاق إذا كان في الزوج عيباً يمنع الدخول بها، أو إذا غاب عنها مدة أكثر من سنة، أو إذا سجن بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنوات وأمضى منهم سنة، أو بسبب الضرر من الشقاق والنزاع.

هذا وقد ثبت شرعية الطلاق في نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية كقوله تعالى: ( فطلقوهن لعدتهن) ، وقوله تعالى: ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) وقد طلق النبي – صلى الله عليه وسلم- حفصة لا لريبة ولا لكبر، وكذلك فعله الصحابة – رضي الله عنهم- واستكثر سيدنا الحسن بن علي – رضي الله عنه- النكاح والطلاق لهذا لم يخالف أحد في شرعيته والعقل يهدي إليه لأنه المخرج الوحيد كلما استحكم الخلاف واستعصت الحلول واستحالت الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق.

ثالثا : الآثار المترتبه للطلاق علي الزوجين والمجتمع والابناء

أولاً: الآثار النفسيه والاجتماعية الواقعة على المرأة المطلقة

–  إن أبرز ما يفعله الزلزال الاجتماعي الأسري (الطلاق) على الزوجة هو العوز المالي الذي كان يقوم به الزوج أثناء قيام الزوجية مما يؤدي إلى انخفاض في المستوى المعيشي بنسبة 73%. خصوصاً إذا لم يكن لها عائل آخر أو مورد رزق آخر تعيش منه حياة شريفة كريمة بعيدة عن المنزلقات الأخلاقية التي لا يعصم منها صاحب دين قوي.

فقد جاء في خطط المقريزي “ج4، ص293” أن الست الجليلة (تذكار باي خاتون) بنت الظاهر بيبرس عملت رباطاً بمبنى كبير سمته رباط البغدادية كانت تودع فيه النساء اللائي طلقن أو هجرهن أزواجهن حتى يتزوجن أو يرجعن لهم، صيانة لهن لما كانا فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراز وكانت لهذا الرباط شيخة صالحة تعظ النساء. هذا وقد أطلق عالم الاجتماع (الأمير كان) على المطلقات “ربات البيوت الفقيرات” أو “الفقر المؤنث”، نتيجة لأن المطلقة بعد طلاقها أصبحت متعبة مالياً وجسدياً إن كانت تعمل خارج المنزل.

–  الهموم والأفكار التي تنتاب المرأة وشعورها بالخوف والقلق من المستقبل ونظرة المجتمع السيئة لها كمطلقة، فمعظم المطلقات يكن ربات بيوت، وبعد الطلاق يبدأ تفكيرهن بمستقبلهن يأخذ منحى جديداً، فالبعض يفكرن بالعودة إلى مقاعد الدراسة مثلاً لإكمال تعليمهن الثانوي أو الجامعي، وبعضهن يتجه للتعليم المهني كالتطريز والخياطة لعل ذلك يدر عليها دخلاً يحسِّن ظروف معيشتها الاقتصادية، وبعضهن يتوجهن للبحث عن عمل حتى يعتمدن على أنفسهن، وبعضهن لم يكن لديهن مؤهلاً أو إمكانيات تساعدها في العمل مما يجعلها تتكفف العوز والفقر.

هذا وقد وجدت حالات من النساء نتيجة هذا الشعور والخوف تعرضن لمشاكل نفسية، مثل: الانطواء على النفس والعزلة نتيجة لكلام الناس مثلاً، ولكن الآثار الاجتماعية أكبر وأكثر من النفسية، فقد تتعرض المرأة لموضوع علامة استفهام حولها: لماذا طلقت؟ وما هو السبب؟ والسؤال الدائم لها عند خروجها من البيت لأي سبب كان مما يقيد حريتها، وقد أكدت دراسة ميدانية في الأردن أن أكثر من 90% من المطلقات عدن إلى بيوت أهلهن بعد طلاقهن مما شكل عبئاً آخر على ذويهن.

–  قلة الفرصة المتوفرة لديها في الزواج مرة أخرى لاعتبارات اجتماعية متوارثة من جيل إلى آخر، حيث تكون فرصتها الوحيدة في الزواج من رجل أرمل أو مطلق أو مسن، وبناءً عليه، فإن مستقبلها غير واضح ومظلم، فتعود بعد الطلاق حاملة جراحها، آلامها ودموعها في حقيبة ملابسها. وكون مجتمعاتنا التقليدية وللأسف وليس الدين طبعاً يعتبرونها الجنس الأضعف، فإن معاناتها النفسية تكون أكبر إذ أنها وبحكم التنشئة الاجتماعية واقتناعها أن الزواج ضرورة اجتماعية لابد منها لأنها (السترة) بالمفهوم التقليدي، فإنها بطلاقها تفقدها وتصبح عرضة لأطماع الناس وللاتهام بالانحرافات الأخلاقية نظراً للظن بعدم وجود الحاجز الجنسي الفسيولوجي (العذرية) الذي يمنعها من ذلك! وهي ليست مسؤولة فقط عن انحرافها بل عن انحراف الرجل أيضاً لأنها أصل الفتنة والغواية، لذلك عرف مجتمعنا جرائم الشرف ضدها وجعلها مرتبطة بالمرأة فقط.

–  نظرة المجتمع إلى المطلقة هي نظرة فيها ريبة وشك في سلوكها وتصرفاتها مما تشعر معه بالذنب والفشل العاطفي والجنسي وخيبة الأمل والإحباط، مما يزيدها تعقيداً ويؤخر تكيفها مع واقعها الحالي، فرجوعها إذن إلى أهلها، وبعد أن ظنوا أنهم ستروها بزواجها، وصدمتهم بعودتها موسومة بلقب “مطلقة” الرديف المباشر لكلمة “العار” عندهم، وأنهم سيتنصلون من مسؤولية أطفالها وتربيتهم وأنهم يلفظونهم خارجاً مما يرغم الأم في كثير من الأحيان على التخلي عن حقها في رعايتهم إذا لم تكن عاملة أو ليس لها مصدر مادي كافٍ لأن ذلك يثقل كاهلها ويزيد معاناتها، أما إذا كانت عاملة تحتك بالجنس الآخر أو حاملة لأفكار تحررية، فتلوكها ألسنة السوء فتكون المراقبة والحراسة أشد وأكثر إيلاماً.

ثانياً: الآثار النفسيه والاجتماعية الواقعة على الرجل المطلق


تقول الدكتورة/ عبلة محمد الكحلاوي عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر “إن الطلاق يصيب كبد الرجل وعقله وقلبه وجيبه؛ لأنه الخروج طواعية من أنس الصحبة وسكينة الدار ورحابة الاستقرار إلى دائرة بلا مركز”، وهذه العبارة تصور مدى خطورة آثار الطلاق على الرجل وهو الذي يملك بيده وعقله وقلبه ولسانه إيقاع الطلاق، وما يكون ذلك من عاقل واعٍ، إلا إذا وصل الأمر إلى حالة استحالة العشرة ونفور الصحبة، وهناك آثار كثيرة نفسية واجتماعيه  تقع على الرجل المطلق منها:

–  الضرر الواقع عليه من كثرة تبعات الطلاق المالية كمؤخر الصداق ونفقة العدة ونفقة وحضانة الأولاد، الأمر الذي سينعكس أيضاً على الزوجة الثانية وأولادها، هذا إذا قبلت به زوجة أخرى لترعى مصالحه وأولاده في ظل وجود الأعباء المالية عليه الناتجة عن الطلاق.

–  قد يصاب المطلق بالاكتئاب والانعزال واليأس والإحباط، وتسيطر على تفكيره أوهام كثيرة وأفكار سوداوية وتهويل الأمور وتشابكها، وهذا الأمر يخلق عنده الشك والريبة من كل شيء يقترب منه أو يرنو نحوه فيفقد أفكاره والاتزان بأحكامه والاستقرار والتوازن، بمعنى آخر، تصبح أفكاره لا تتسم بالثبات، بل التقلب والتضارب، وتصبح أحكامه عديمة الرصانة والتماسك فضلاً عن التردد وعدم التشوق لمقابلة الأصدقاء، وإن هذا الاكتئاب وفقدان التوازن الاجتماعي وضياع أمن واستقرار البيت يشوبه قلق من فكرة فشل زواج آخر، أو أنه رجل غير مرغوب فيه ومشكوك فيه من قبل المخطوبة الثانية لطلاقه الأولى.

Advertisements

ثالثاً: الآثار النفسيه والاجتماعيه والتربوية الواقعة على الأبناء


إن العلم التربوي يجمع على أهمية الأبوين في تربية وتنشئة الطفل الاجتماعية خاصة دور الأم الرئيسي في التنشئة المبكرة وإبراز دورها في السنوات الأولى من حياته كنقطة انطلاق لنموه وتطوره جسدياً وفكرياً.


إن سلوك الطفل يتأثر تأثراً بالغاً بأمه وأبيه في سنواته الأولى والتي تنعكس هذه الفترة في التنشئة على باقي حياة الطفل إلى أن يصبح رجلاً.

وبما أن البيئة التي عاش فيها الطفل لا تخرج عن الأسرة المحيطة به، فمن الطبيعي أن تنعكس عليه بعد أن يكبر وتتسع مجالات حياته الاجتماعية وتتعدى من والديه إلى باقي أقربائه وجيرانه.

وعلى ذلك، فالطفل الطبيعي الذي ينمو في أسرة سعيدة ومتماسكة اجتماعياً وأخلاقياً سينمو نمواً طبيعياً وينعكس ذلك على أخلاقه وسلوكه في المستقبل.

أما إذا كانت الأسرة متفككة منحلة بالطلاق مثلاً، فإن ذلك التفكك سينعكس أيضاً على أولادهم، ويشبه علماء النفس الطفل بالإسفنجة التي تمتص أي سلوك وأي تصرف يصدر من أفراد الأسرة.

فالأسرة هي المنبع الأول للطفل في مجال النمو النفسي والعقلي فيما يصدر عن الوالدين من أمراض سلوكية أخلاقية تكون الأسرة منبعها والوضع الاجتماعي ويؤثر على الجميع وأكثر شيء يظهر ذلك على الأطفال، وتتمثل الآثار الناتجة عن الطلاق على الأبناء في عدة أمور منها:

– الضرر الواقع على الأولاد في البعد عن إشراف الأب إن كانوا مع الأم وفي البعد عن حنان الأم إن كانوا مع الأب، وفي هذه الحالة يكون الأطفال عرضة لوقوعهم تحت رحمة زوجة أبيهم بعد أمهم التي من المستحيل أن تكون بالنسبة لهم أماً خصوصاً بعد أن تنجب هي عدداً من الأولاد وتعاملهم بطريقة أفضل من أولاد زوجها، فيؤثر سلباً عليهم ويصبحوا عرضة للانحراف والوقوع في الجنوح.


–  في عدم الإشراف على الأولاد من قبل الوالدين واهتزاز الأسرة وعدم استقرارها يعطي مجالاً لهم للعبث في الشوارع والتشرد والانحراف واحتراف مهن محرمة. لأن صدمة تفكك والديهم بالطلاق تكاد تقتلهم بعدما يفقدوا معاني الإحساس بالأمن والحماية والاستقرار حتى باتوا فريسة صراعات بين والديهم خصوصاً إذا تصارع كلٌ منهما من يكسب الطفل في جانبه حتى لو أدى ذلك إلى استخدام وسائل غير أخلاقية كتشويه صورة الطرف الآخر أمام ابنه واتخاذ كل السبل الممكنة حتى لو لم تكن أخلاقية للانتصار على خصمه، فيعيش الطفل هذه الصراعات بين والديه، مما يفقده الثقة بهما ويجعله يفكر في البحث عن عالم آخر ووسط جديد للعيش فيه قد يعوضه عن حب وحنان والديه مما يعرضه في بعض الأحيان إلى الوقوع فريسة في أحضان المتشردين والذين يقودونه إلى عالم الجريمة.

– يؤثر الطلاق على صحة الأولاد النفسية والجسدية خصوصاً إذا كانوا في سن الخامسة أو السادسة أو أكثر نتيجة لعدم اهتمام والديهم بهم في خضم المشاكل العائلية بينهما وعدم إشراف والدهم الذي قد لا يشاهدهم إلا في مركز الشرطة عن طريق القضاء أو أحد المؤسسات الاجتماعية، مما يؤدي إلى هبوط معنويات الأطفال فيواجه ذلك باليأس والبكاء ويعيش حياة كلها توتر وقلق واضطراب ويتعطشون للحنان والمحبة والرعاية، فضلاً عن الأمور المالية التي تزيد نسبتها مع كبر سنهم نظراً لفقدان تجمع الأب والأم معاً.

– أما إذا تجاوز عمر الأولاد بعد السابعة، فإن سلبيات الطلاق تكون لديهم أكثر وأكبر لأنه في هذه الحالة قد يدرك أسباب الشقاق والنزاع الدائم بين والديه، ولذلك ينعكس على الأولاد سلباً بالتسرب من المدارس والانحراف في السلوك، وضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على التطور الفكري، وعدم التوازن ومشاركة الجماعة وحرمانهم من التنشئة الاجتماعية السليمة مما يجعلهم يلجئون إلى التشرد.

–  وقد يصل الحد إلى استخدام المخدرات والمسكرات للابتعاد عن هموم الأسرة فكل هذه الآثار السيئة التي يتركها الطلاق على الأولاد تستدعي منا وقفة قوية لحصار وتطويق أسباب الطلاق في المجتمع والعمل الجاد للحد منها.




ولكن يمكن القول بأنه قد صار لدى الآباء الذين يخوضون تجربة الانفصال أسباب تبعث على الأمل. فقد وجد الباحثون أن من الأطفال نسبة صغيرة نسبيًّا فحسب هي التي تتعرض لمشكلات خطيرة في أعقاب الطلاق، أو فيما بعد عندما يصلون لمرحلة الرشد. 
وفيما يلي نناقش تلك النتائج وكذلك العوامل التي قد تحمي الأطفال من آثار الطلاق التي يمكن أن تكون ضارة

يؤثر الطلاق على معظم الأطفال على المدى القصير، ولكن تشير الأبحاث إلى أن الأطفال يتعافون سريعًا بعد الصدمة الأولى. في دراسة أجريت عام 2002، وجدت عالِمة النفس إ. مافيس هيذرينجتون بجامعة فيرجينيا وطالبتها في مرحلة الدراسات العليا آنذاك آن ميتشيل إيلمور، أن كثيرًا من الأطفال يتعرضون لتأثيرات سلبية قصيرة الأجل بسبب الطلاق، وتتمثل تلك الآثار تحديدًا في مشاعر القلق، والغضب، والصدمة، وعدم التصديق. وفي المعتاد تتقلص ردود الأفعال تلك أو تختفي بنهاية السنة الثانية. ولكن قلة قليلة من الأطفال فحسب، تظل تعاني مدةً أطول.



كذلك يتمكن معظم أطفال الطلاق من تسيير أمورهم بشكل طيب على المدى الأطول. في استعراض كمي للدراسات السابقة جرى في عام 2001، قام عالم الاجتماع بول ر.أماتو -الذي كان يعمل حينئذٍ بجامعة بنسلفانيا ستيت– بدراسة الآثار المحتملة على الأطفال بعد عدة سنوات من حدوث الطلاق. عقدت الدراسات مقارنة بين الأطفال الذين لا يزال آباؤهم مستمرين في الزواج ونظرائهم الذين تعرضوا لتجربة الطلاق في أعمار مختلفة. وقد عمل الباحثون على متابعة هؤلاء الأطفال حتى مرحلة الطفولة المتأخرة ومرحلة المراهقة، إذ أجروا تقييمًا لتحصيلهم الدراسي ومشكلاتهم الوجدانية والسلوكية ومشكلة الجنوح ومفهوم الذات والعلاقات الاجتماعية. وبصفة عامة، لم تجد الدراسات سوى فروق صغيرة للغاية فحسب في جميع تلك المعايير بين أطفال الآباء المطلقين وغيرهم من أبناء الأسر التي لم تتعرض للطلاق، مما يشير إلى أن الأغلبية العظمى من الأطفال يجتازون مشكلة الطلاق بشكل جيد.

وجد الباحثون أن ارتفاع معدلات النزاع بين الأبوين في أثناء الطلاق وبعده يرتبط طرديًّا بضعف التكيُّف لدى الأطفال. ومع ذلك فإن آثار النزاع قبل الانفصال ربما تؤثر عكسيًّا في بعض الحالات. إذ أوضحت دراسة أجرتها هيذرينجتون ومعاونوها في عام 1985، أن بعض الأطفال الذين يتعرضون لمستويات مرتفعة من الخلافات بين والديهم قبل الطلاق، يتكيفون بطريقة أفضل من الأطفال الذين يتعرضون لمستويات منخفضة من تلك الخلافات. فمن الواضح أنه عندما يقل النزاع بين الأزواج، لا يكون الأطفال في الغالب مهيئين لسماع نبأ الطلاق الوشيك، بل تتملكهم الدهشة وربما الذعر من ذلك النبأ. إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الذين ينتمون إلى أسر تزيد فيها معدلات الخلاف، قد يرون الطلاق بمنزلة وسيلة للنجاة من الشجار بين الأبوين.

ولو قمنا بتجميع تلك النتائج، لوجدنا أنها تشير إلى أن نسبة قليلة فقط من الشباب تتعرض لمشكلات ذات صلة بالطلاق. وحتى في هذه الحالة، فإن أسباب تلك الصعوبات المتأخرة تظل مجهولة وغير معروفة. إذ ربما تنجم بعض المشكلات عن النزاع بين الأبوين فيما يتعلق بالطلاق. كذلك يمكن لضغوط الموقف أن تؤثر على جودة التربية. وفي أغلب الأحيان يسهم الطلاق في حدوث الاكتئاب أو القلق أو تعاطي المواد المخدرة من جانب أحد الأبوين أو كليهما، وربما يؤدي أيضًا إلى صعوبات في الموازنة بين العمل وتربية الأطفال. وبإمكان تلك المشكلات عرقلة قدرة أحد الأبوين على أن يقدم لأطفاله مشاعر الاستقرار والحب في حين أنهم يكونون في أمس الحاجة إليها.

يمكن أيضًا لتجربة الطلاق أن تؤدي إلى خلق مشكلات لا تظهر حتى سنوات المراهقة المتأخرة أو مرحلة الرشد. في عام 2000 صدر كتاب بعنوان “الإرث غير المتوقع للطلاق: دراسة بارزة على مدار 25 عامًا”. في ذلك الكتاب قدمت جوديث وولرشتاين -التي كانت تعمل حينئذٍ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي- وزملاؤها دراسات حالة تفصيلية تقترح أن معظم الراشدين الذين كانوا أطفال طلاق يتعرضون لمشكلات خطيرة، مثل الاكتئاب ومشاكل العلاقات.

ومع ذلك، فإن الأبحاث العلمية لا تؤيد وجهة النظر التي تفترض انتشار المشكلات وشيوعها في مرحلة الرشد. بل إن تلك الأبحاث -بخلاف ذلك- تبيِّن أن معظم أطفال الطلاق يتمكنون من التكيُّف على نحو جيد في مرحلة الرشد. فعلى سبيل المثال، صدر كتاب في عام 2002 بعنوان “في السراء والضراء: إعادة النظر في مسألة الطلاق” تصف هيذرينجتون وشريكها في تأليف الكتاب، الصحفي جون كيلي، دراسة أجريت على مدار 25 عامًا، فيها تابعت هيذرينجتون أطفال الطلاق بالتوازي مع أطفال لم ينفصل آباؤهم بالطلاق. وجدت هيذرينجتون أن 25% من الراشدين الذين كان آباؤهم قد انفصلوا بالطلاق، قد تعرضوا لمشكلات اجتماعية أو وجدانية أو نفسية خطيرة، مقارنة بنسبة 10% فقط من أولئك الذين واصل آباؤهم الحياة معًا. وتشير تلك النتائج إلى أن 15% فقط من أطفال الطلاق الراشدين يتعرضون لمشكلات تزيد عن تلك التي يتعرض لها أبناء الأسر المستقرة. ولا يعلم أحد ما إذا كان ذلك الفارق بسبب الطلاق ذاته أو ناتجًا عن متغيرات أخرى، مثل ضعف مستوى التربية الذي غالبًا ما يصاحب فسخ علاقة الزواج.

في مقالة نُشرت في عام 2003، خلص علماء النفس جون ب. كيلي، الذي ينتمي إلى كورت ماديرا بكاليفورنيا، وروبرت إيميري من جامعة فيرجينيا، إلى أن علاقات الراشدين الذين فشلت زيجات آبائهم، غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا إلى حد ما من أبناء الأسر التي يكللها الاستقرار. على سبيل المثال، يواجه الأشخاص الذين انفصل آباؤهم وهم ما زالوا صغارًا صعوبة أكبر في تكوين العلاقات الحميمة والمحافظة عليها عندما يصلون إلى مرحلة الشباب، كما تزيد لديهم معدلات عدم الرضا عن زيجاتهم، ويرتفع لديهم أيضًا معدل الطلاق، وتسوء علاقتهم بالوالد غير الحاضن، مقارنةً بالراشدين القادمين من أسر مستقرة. أما في بقية الأوجه الأخرى، فإن الفروق بين المجموعتين كانت ضئيلة.

على الرغم من أن أطفال الطلاق يتكيفون بشكل طيب في العموم، فإن هناك عددًا من العوامل التي يمكنها أن تقلل من المشكلات التي ربما يتعرض لها هؤلاء الأطفال. 


على سبيل المثال، يمكن للأطفال أن يتعاملوا بشكل أفضل إذا تمكن الآباء من الحد من النزاعات المتعلقة بعملية الطلاق أو الحيلولة بقدر الإمكان من تعرض الطفل لتلك النزاعات. 

إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال الذين يعيشون في كنف والد واحد على الأقل يؤدي الدور المنوط به بشكل جيد، يكون أداؤهم أفضل من أولئك الذين يكون أداء الوالد المسؤول عنهم ضعيفًا. وفي ذلك الموقف الأخير، يجب على هذا الوالد المُعاني أن يَنشُد مساعدةً متخصصة، أو أن يفكر في تقليل الوقت الذي يقضيه مع الطفل. كذلك يمكن للآباء دعم أطفالهم في أثناء ذلك الوقت العصيب عن طريق التحدث إليهم بوضوح عن الطلاق وعواقبه، والإجابة عن أسئلتهم بشكل كامل.

كذلك يمكن للجوانب الأخرى العامة لحسن التربية، أن تعمل كمصدٍّ أمام الصعوبات ذات الصلة بالطلاق لدى الأطفال. فعلى الآباء أن يقدموا الدفء والدعم الوجداني لأبنائهم، وعليهم أيضًا أن يراقبوا ما يفعله أبناؤهم من أنشطة مراقبةً لصيقة. كذلك أن يغرسوا في الأبناء مفهوم الانضباط، مع عدم المبالغة سواء في التساهل أو الحزم. ومن بين العوامل الأخرى التي تسهم في تكيُّف الأطفال في مرحلة ما بعد الطلاق، الاستقرار الاقتصادي والمساندة الاجتماعية من الأقران وغيرهم من الراشدين، مثل المعلمين.

إضافة إلى ذلك، يمكن لخصائص معينة لدى الطفل التأثير على مرونته وقدرته على التكيف. فالأطفال الذين يتمتعون بطباع سلسة يتكيفون بشكل أفضل. كذلك تصنع أساليب التكيف فارقًا.

على سبيل المثال، فإن الأطفال الذين يتميزون بالمهارة في حل المشكلات والذين يَنشُدون المساندة الاجتماعية، يكونون أكثر مرونة من أولئك الذين يعتمدون على تجنُّب لفت النظر والانعزالية.

ويبقى الخبر السار، أنه رغم كون الطلاق مسألة صعبة وغالبًا ما تكون آثاره مؤلمة بشدة على الأطفال، فإن الأضرار طويلة الأمد ليست حتمية؛ فمعظم الأطفال يتعافون من هذه التجربة ويتخطونها بقليل من الجراح في خضم المعركة، أو ربما من دون أية جراح على الإطلاق.



رابعاً: الآثار الناتجه عن الطلاق على المجتمع 


إن الطلاق بخلوه من الآداب التي حددها الإسلام عند وقوعه حتماً به ضرر على المجتمع بأسره لأن المجتمع يتكون من أسر مترابطة تكوّن نسيجه، فانحلال وتفكك هذه الأسر يسبب اضطرابات اجتماعية يعاني منها المجتمع ومن أمثلة ذلك:


–  في انحلال الزواج وسيلة لزرع الكراهية والنزاع والمشاجرة بين أفراد المجتمع خصوصاً إذا خرج الطلاق عن حدود الأدب الإسلامي المحدد له كما ذكرت سابقاً، والذي يجر وراءه أقارب كل طرف في خصام وتقاضي واقتتال مما يسبب مشاحنات وعدم استقرار في المجتمع، وبدلاً من أن يعمل الأهل والأقارب لإصلاح ذات البين والصلح بينهما يصبحا مصدراً للخصام والانحياز والتعصب المؤدي إلى زعزعة واستقرار المجتمع، يقول الله تعالى:  ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما).

–  الأحداث الناتجة عن الطلاق تؤثر في شخصية الرجل، وما ينتابه من هموم وأفكار وأعباء مالية قد تجره إلى تصرفات تضر بمصلحة المجتمع وعدم أداء عمله على أكل وجه، وقد تجره لاتخاذ سلوك نحو الجريمة كالسرقة والاحتيال وغير ذلك، وهذه الهموم والآلام قد تنتاب المرأة أيضاً مما يجعلها تفكر بأية طريق للحصول على وسيلة للعيش وقد تسلك طرقاً منحرفة وغير سوية في ذلك مما يؤثر سلباً على المجتمع.

– في تشرد الأولاد وعدم رعايتهم والاهتمام بهم نتيجة غياب الأب وتفكك الأسرة وعدم اهتمام الأم يجعلهم يتجهون إلى سلوك غير سوي، فتكثر جرائم الأحداث ويتزعزع الأمن في المجتمع، ويزداد معدل انحراف الأحداث والتخلف الدراسي وزيادة الأمراض النفسية بين الأطفال والكبار أيضاً.

ولأجل هذه الآثار الناتجة عن الطلاق يجب أن يدرك كل فرد في المجتمع أن الطلاق إذا خرج عن المفهوم والغرض الذي أباحه الله – سبحانه وتعالى- له واعتبره أبغض الحلال إليه، فإنه سيوصل المجتمع إلى مهاوي الردى، لأن الله – سبحانه وتعالى- يريد الحياة السعيدة والمستمرة والمستقرة للأسر الإسلامية، وفي إباحته للطلاق إنما يقصد إلى السعادة للأسرة الإسلامية ولكن إذا سار الطلاق نحو الهدف الذي وضع من أجله وليس على التدمير والانحلال.

كثير من الأطفال الذين ينفصل أبواهم بالطلاق سنويًّا في الولايات المتحدة -والذين يقدَّر عددهم بمليون ونصف المليون طفل- يشعرون كما لو أن حياتهم في طريقها إلى الانهيار. كما يقلق الآباء المطلقون بشكل أساسي على سلامة أبنائهم في أثناء تلك العملية المزعجة. بل إن بعض الآباء يشعرون بالقلق لدرجة أنهم يستمرون في حياة زوجية تعيسة اعتقادًا منهم أن ذلك سوف يحمي أبناءهم من صدمة الطلاق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.